اسماعيل بن محمد القونوي

290

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( وتثقفونه من ثقفته إذا طلبته فوجدته ) والمعنى إذ تجدونه بعد طلبكم ووجدان الكلام لا يقتضي تحققه في نفس الأمر فلا إشكال . قوله : ( وتقفونه أي تتبعونه ) من قفاه ناقص الواو إذا اتبعه قال تعالى : وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [ الإسراء : 36 ] الآية والمعنى إذ تتبعونه أي ما أفضتم ومعنى الاتباع هنا التزامه وإشاعته وفي تعبير الاتباع مبالغة عظيمة ولا تغليب في هذه القراءة الثلاثة فتأمل وكن على بصيرة . قوله : ( وتقولون بأفواهكم ) أي بألسنتكم مجاز باعتبار الحالية والمحلية ولعل الداعي إليه المبالغة حيث أشير إلى أنهم يقولون ذلك بملء أفواههم لا برؤوس ألسنتهم « 1 » إظهارا بأنهم صادقون فيه . قوله : ( أي وتقولون كلاما مختصا بالأفواه بلا مساعدة من القلوب لأنه ليس تعبيرا عن علم به في قلوبكم كقوله يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ) بلا مساعدة من القلوب وإن حضر فيها إذ الكلام لفي الفؤاد وما لم يوجد فيها لا يمكن النطق به وعن هذا قال بلا مساعدة ولم يقل بلا خطور في القلوب وأيضا لأنه ليس تعبيرا عن علم الخ فمعنى قوله تعالى : ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [ آل عمران : 167 ] ما ليس علما به في قلوبكم والمراد به ما لم يكن مطابقا للواقع والتعبير بما ليس به علم للتنبيه على أنه لا ينبغي لأحد أن يقول ما ليس به علم لاحتمال كونه غير مطابق للواقع ويؤيده قوله تعالى : وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [ الإسراء : 36 ] أي ما لم يتعلق به علمك « 2 » تقليدا أو رجما بالغيب « 3 » قال المص في تفسير قوله تعالى : وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ [ البقرة : 169 ] وفيه دليل على المنع من اتباع الظن رأسا انتهى فما ظنك باتباع الوهم . قوله : وتثقفونه بفتح القاف من باب علم أي تجدونه بعد ما سألتموه وطلبتموه . قوله : وتقفونه ناقص من قفا يقفو من الاقتفاء بمعنى الاتباع . قوله : أي وتقولون كلاما مختصا بالأفواه بلا مساعدة من القلوب معنى الاختصاص ناشئ من تأكيد القول بأن يكون بالأفواه فإن القول لا يكون إلا بالأفواه .

--> ( 1 ) وقال ابن كمال وايثار الأفواه على الألسنة لأنها أوسع دائرة فإن من الحروف ما لا دخل في تلفظه للسان انتهى وفيه ما فيه ليس من الحروف ما لا دخل في تلفظه للسان ألا يرى أن الأخرس لا يقدر على تكلم حرف ما وأيضا يلزم أن يكون قوله تعالى : يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قاصرا عن البيان فالوجه ما ذكرناه . ( 2 ) ومن قال ما لا يعلمه ثم ظهر أنه مطابق للواقع أو لم يظهر لكنه في نفس الأمر كذلك هل يعاتب عليه أم لا لم نظفر له فليطلب من محله . ( 3 ) قال المص في هذه الآية واحتج به من منع اتباع الظن وجوابه أن المراد بالعلم هو الاعتقاد الراجح من سند سواء كان قطعا أو ظنا انتهى وهذا مخالف لما ذكره في قوله تعالى : وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ * من قوله وفيه دليل على المنع من اتباع الظن رأسا .